طيف امرأة

وضعت سلمى الملف الذي تمسكه فوق الطاولةٍ الخشبيةٍ الفاتحة اللون، وجلست على كرسي قريب من نافذةٍ كبيرة تُطلّ مباشرة على شارع عدلي. لم تكن تنوي البقاء طويلًا؛ فهي، كما اعتادت أن تقول، في " مهمّة استخباراتية عاجلة ". 

مع كل طلب يرد إلى الجمعية، تحرص على تخصيص يوم للتعرف على الشخص المعني عن بعد، لتكوين انطباعٍ أوّلي عنه. كانت شخصيتها تحمل شيئًا من فضول الآنسة ماربل في روايات أغاثا كريستي.

بدا المطعم امتدادا للشارع العريق، بروحه الممزوجة بين التراث والحداثة. على كل جدار ٍيفصل بين نافذتين، تمتد رسومات ضخمة تغطي الحائط بالكامل، تُصوّر شوارع القاهرة القديمة. وفي كل شارع تظهر امرأة بملامح تجريدية وشعر نحاسي، تحلّق كطيفٍ مُعلّق بين الواقع والخيال، وترتدي فستانًا بلون مختلف. على الجدار خلف سلمى مباشرة، ترتدي السيدة فستانًا أزرقا، وذراعها تمتد إلى الأمام كأنها تستعد للقفز عبر النافدة.

من حين لآخر كانت سلمى تقلّب أوراق الملف. كان يتضمّن طلبًا من سكّان عمارة قديمة في حيّ قريب لتوفير ملجأ للسيدة المسنّة " باكينام "، التي أصبحت تنام تحت السلالم بعد أن كانت تقيم في غرفة فوق السطح، منحها لها أحد المحسنين قبل أن يطردها ورثته بعد وفاته.

ارتشفت سلمى الكابتشينو وهي تتأمّل الواجهة الحجرية المهيبة للمعبد اليهودي المقابل. تساءلت عن القصص الإنسانية التي مرّت به؛ فهي لم تهتم يومًا بالمعالم بقدر ما آمنت بأن البشر الذين شيدوها أو سكنوها هم المعالم الحقيقية.

في تلك اللحظة، مرت " باكينام " أمام بوابة المعبد. كان حضورها منسجمًا مع المشهد، كأنها جزء لا يتجزأ من المكان. ارتدت معطفا زيتيا، من خامة فخمة بهتت بفعل الزمن، ملابسها متناسقة بدقة ملفتة، كأنها خرجت للتو من مجلة موضة قديمة؛ وشاح خمري يلتف حول عنقها، وحذاء جلدي أسود فقد لمعانه، وفستان بني ناعم. مكياجها الخفيف، وباروكتها باللون الاشقر المائل للنحاسي يمنحانها اطلالة ملكية. بدت نحيلة ومنتصبة القامة مقارنة بامرأة تناهز السبعين.

 وهي تقترب ببطء، سمعتها سلمى ترطن بالفرنسية مخاطبة مجموعة من القطط:

« Par ici mes trésors ! Suivez-moi »

 اقتربت " باكينام " من أحد النوافذ الكبيرة للمطعم، وحدّقت بعينيها الزرقاوين في اللوحات، ثم همست: " الجدران لا تنسى أصحابها ". لاحظت سلمى أن ملامحها هادئة، وأن التجاعيد تتجمع أكثر حول عينيها، من النوع الذي يتشكّل حين يبتسم المرء بكثرة. فجأة استدارت، وهمست لرجل كان مارا أمامها؛ فناولها سيجارة وهو يبتسم. أخرجت من جيب معطفها صندوقًا ذهبيا صغيرًا ووضعت السيجارة داخله بعناية.

يذكر الملف أنها لا تدخّن؛ وإنما تشحذ السجائر من المارة لتبيعها بثمن زهيد للمشرّدين والبوابين؛ تلك طريقتها الأنيقة في تدبير أمورها.

 نُسِجت حولها حكايات مثيرة كما تُنسج الأساطير حول قصر مهجور. يقول البعض إنها وُلدت في هذا المبنى، وإن والدها كان تاجر أقمشة. بينما يؤكد آخرون أنها ظهرت فجأة عند افتتاح المطعم كطيف خرج من المكان، ومنذ ذلك اليوم وهي تتجوّل في الشوارع والازقة المحيطة.

أخبرها النادل أن رساما شابًا كان في المطعم ذات صباح، ورآها تنظر من النافذة، وهي تضع وشاحا أزرقا، وباروكة نحاسية، فأسَرته الصورة. بعد أيام، شرع في رسم اللوحات الجدارية.

غادرت " باكينام " المكان. فقامت سلمى ودفعت الحساب وهي عازمة على أن تعود في الأيام المقبلة لتحدثها وجها لوجه.

ومن يدري؟ لعلّها تسمع رواية أخرى أكثر جنونا.  

ر.خ 

.