فضول

تخيل أنك تجلس في غرفة خافتة الإضاءة بجانب سيدة فاضلة لم يرزقها الله أبناء؛ لكنها رغم ذلك صابرة محتسبة تعيش الحياة برضى وقبول وترى في كل محنة منحة وفي كل نعمة ابتلاء. جئتما لتزورا امرأة مريضة على فراش الموت، كانت مستلقية على سريرها ويبدو عليها الشحوب والوهن. فدخلت عليكما امرأة أخرى تتعرفان عليها للمرة الاولى. بدأت تتحدث دون توقف عن مواضيع كثيرة، حتى وصلت إلى اللحظة التي سألت فيها المريضة:

-     هل هذه هي المرأة التي لم تنجب؟

لم تدري المريضة المسكينة بماذا ابتليت، ووجهها يزداد اصفرارًا...

فاسترسلت المرأة، التي بالكاد تعرفتما عليها في الكلام، وبدأت ببلاهة تنصح رفيقتك بإعطائها النصائح الكثيرة... أسماء أطباء... وصفات... وتدخل في تفاصيل حميمة... هذه المتحدثة الفصيحة اللسان لم تكن تعرف شيئًا عن الطب، اللهم ربما أسماء بعض الأدوية التي تستعملها لأمراضها الكثيرة.

تخيّل أنك لاحظت وجه رفيقتك وهو يمتعض، ويحمرّ ويصفرّ، والمريضة المسكينة يزداد اضطرابها... أما "قطارنا السريع"، فلم يلاحظ شيئًا، واستمر في الاندفاع، تتساقط من حوله الجثث، وتتحطم على أثره النفوس، وهو في خوضه يعمه، حتى أصبح الأمر مربكًا للغاية.

وفي لحظة ينتهي المشهد، تخرجان من المنزل، وبعد أن تبتعدان ببضع خطوات، تنفجر رفيقتك غضبًا، وتبدأ تصيح وتشتم...

وبعد أن تهدأ قليلا، تقول بصوت عال:

لا حول ولا قوة إلا بالله.

هذا المشهد التخيلي أو ما يشابهه، يتكرر كثيرًا مع أناس يظنون أنفسهم حكماء، أو ظرفاء، أو أذكياء، فينتهكون خصوصية أناس لا يعرفونهم حق المعرفة، ولا يلمّون بشيء من تفاصيل حياتهم ...

كثيرًا ما يجد بعض الناس أنفسهم في حيرة، بل ويصيبهم نوع من الاضطراب الفكري، بسبب أسئلة وتعليقات تصدر عن أشخاص بالكاد يعرفون القليل عن حياتهم الشخصية أو العملية، سواء خلال مكالمة عابرة، أو لقاء عفوي، أو حتى مصادفة غير متوقعة. ويكون أول ما يُطرح من أسئلة: هل تزوجت؟ هل ترقّيت؟ هل أصبح لديك أولاد؟ هل اشتريت بيتًا؟  هل تفكر في التسجيل في الدكتوراه؟ هكذا، ومن دون مقدمات.

 وسرعان ما يتحول الحديث إلى سيل من النصائح التي لا تمتّ إلى واقع الشخص وظروفه بصلة. والمفارقة أن بعض من يطرحون هذه الأسئلة لا يعرفون تفاصيل أساسية عن حياة من يخاطبونه؛ فقد لا يعرفون حتى اسم والديه، أو إن كانا على قيد الحياة، ولا عدد إخوته أو أسماءهم، ولا إن كان يمرّ بظروف صحية أو نفسية خاصة.

***

في مقال منشور على موقع Psychology Today، يشرح أحد الاخصائيين أن معظم الناس يرفضون هذه الأسئلة او النصائح، لأنهم يشعرون أن خصوصيتهم تنتهك. وأن هذا الإحساس ليس فيه مبالغة ولا حساسية زائدة، بل استجابة طبيعية لما يسمى "انتهاك الحدود الشخصية". فالإنسان يحتاج إلى مساحة نفسية تحمي عالمه الداخلي، ولا يحق لأي شخص أن يقتحمها لمجرد أنه على علاقة به مهما قويت أو ضعفت.

المقال يبين أيضا أن الأشخاص الذين يقتحمون الخصوصية غالبًا ما يعتقدون أنهم يرون الحقيقة بشكل أوضح من غيرهم، وأنهم يمتلكون نوعًا من اليقين الداخلي الذي يدفعهم إلى التدخل في حياة الآخرين. كما أن تقديم النصيحة يمنحهم شعورًا بالسيطرة.

وتشير بعض الدراسات النفسية أيضا إلى أن بعض الأشخاص الذين يطرحون أسئلة شخصية دون وعي، لا يفعلون ذلك بدافع الاهتمام الحقيقي دائما، بل بدافع المقارنة أو الفضول أو حتى التعويض عن فراغ داخلي. فهم لا يرون الآخر كما هو، بل يرونه مرآة يقيسون من خلالها أنفسهم.

وفي مقال اخر منشور حول مفهوم التعاطف، وجدت تفسيرًا نفسيًا اخر قد يوضح بعض هذا السلوك. فلقد ذكر الباحثون أن التعاطف لا يعني مجرد شعور تجاه الآخر، بل يعني قدرة المرء على رؤية العالم من وجهة نظر الشخص الاخر. وهذه القدرة تتطلب ما يسميه علماء النفس "الخروج من التمركز حول الذات"، أي التحرر من منظورنا الشخصي لفهم تجربة الآخر كما يعيشها هو، لا كما نتخيلها نحن. والمشكلة أن كثيرًا من الناس يفشلون في هذه الخطوة، فيبقون أسرى منظورهم الخاص، فيتدخلون في أمور الاخرين عبر تقديم نصائح تنبع من حياتهم هم، لا من واقع الشخص الذي أمامهم.

هذا ما يقوله الاخصائيون، أما الإسلام فقد قرر مبدأ الخصوصية الشخصية واحترامها بوضوح منذ قرون، حيث قال النبي ﷺ:

 "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (رواه الترمذي).

فالفضول من افات المجتمع، الذي يفسد العلاقات الاجتماعية ويوقع بين الناس وينشر الضغينة بينهم ويفسد على المرء حياته. فالنّاس يتأَذّون مِمن يتدخّل ويتجسس على شؤونهم الخاصّة، ويعتبرون أن هذا تعدّيا على خصوصيّاتهم؛

ولقد نهى القرآن صراحة عن التجسس بقوله:

 "ولا تجسسوا" (الحجرات: 12).  التجسس: البحث عن الشيء.

والتجسس على الناس يكون اما بالبحث عن أمورهم الخاصة من خلال أناس اخرين، واما مباشرة معهم بفتح التحقيقات المباشرة التي لا تترك للمرء مجالا للحفاظ على خصوصيته أمام الكم الهائل من الأسئلة التي تنزل على رأسه في حين غفلة... وكم يضيع بعض الأشخاص حسناتهم، وهم يفعلون ذلك.

وقد قيل:

الـزَمْ حُـدوْدَكَ فـي قَـولٍ وفي عَـمَـلٍ        ودَعــكَ مِــنْ كـلِّ أَمْــرٍ ليـْـسَ يَعْنِيْـكَـا

إنَّ التَّـطفُّـلَ فـي شَـــأْنِ الـوَرَى مَـرَضٌ        تَـغْدُو بِهِ سَـــمِجًا.. فـي النَّـاس مَتْـرُوْكَا

ر.خ 

 

***